الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
228
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا هو الإناث . ومعنى ظَلَّ هنا : صار ، فإن الأفعال الناقصة الخمسة المفتتح بها باب الأفعال الناقصة ، تستعمل بمعنى صار . واسوداد الوجه من شدة الغضب والغيظ إذ يصعد الدم إلى الوجه فتصير حمرته إلى سواد ، والمعنى : تغيّظ . والكظيم : الممسك ، أي عن الكلام كربا وحزنا . [ 18 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 18 ] أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) عطف إنكار على إنكار ، والواو عاطفة الجملة على الجملة وهي مؤخرة عن همزة الاستفهام لأن للاستفهام الصدر وأصل الترتيب : وأمن ينشأ . وجملة الاستفهام معطوفة على الإنكار المقدّر بعد أَمِ في قوله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ [ الزخرف : 16 ] . ولذلك يكون مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ في محل نصب بفعل محذوف دلّ عليه فعل اتَّخَذَ في قوله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ [ الزخرف : 16 ] . والتقدير : أأتّخذ من ينشأ في الحلية إلخ . ولك أن تجعل مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ بدلا من قوله بَناتٍ بدلا مطابقا وأبرز العامل في البدل لتأكيد معنى الإنكار لا سيما وهو قد حذف من المبدل منه . وإذ كان الإنكار إنما يتسلط على حكم الخبر كان موجب الإنكار الثاني مغايرا لموجب الإنكار الأول وإن كان الموصوف بما لوصفين اللذين تعلق بهما الإنكار موصوفا واحدا وهو الأنثى . ونشء الشيء في حالة أن يكون ابتداء وجوده مقارنا لتلك الحالة فتكون للشيء بمنزلة الظرف . ولذلك اجتلب حرف في الدّالة على الظرفية وإنما هي مستعارة لمعنى المصاحبة والملابسة فمعنى مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ من تجعل له الحلية من أول أوقات كونه ولا تفارقه ، فإن البنت تتّخذ لها الحلية من أول عمرها وتستصحب في سائر أطوارها ، وحسبك أنها شقّت طرفا أذنيها لتجعل لها فيهما الأقراط بخلاف الصبي فلا يحلّى بمثل ذلك وما يستدام له . والنّشء في الحلية كناية عن الضعف عن مزاولة الصعاب بحسب الملازمة العرفية فيه . والمعنى : أن لا فائدة في اتخاذ اللّه بنات لا غناء لهن فلا يحصل له باتخاذها زيادة عزّة ، بناء على متعارفهم ، فهذا احتجاج إقناعي خطابي . و الْخِصامِ ظاهره : المجادلة والمنازعة بالكلام والمحاجّة ، فيكون المعنى : أن المرأة لا تبلغ المقدرة على إبانة حجتها . وعن قتادة : ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا